الإسلام والإرهاب: أزمة نصّ أم خللٌ فِي التّأويل؟

 

 

أثارت اشكاليّة البُنَى الميتافيزيقية في علاقتها بالحريّة  جدلا في مختلف العصور. وإن ركّزنا على الدّيانات التوحيديّة، فإنّنا سنستشفُّ أنّ نوعاً من التفرّد، في العقود الأخيرة، على مستوى الديانة الاسلاميّة. فقد طُرح موضوع الإسلام وعلاقته بالحريّة ومدى تأقلمه مع المجتمعات الحديثة. ولعلّ هذا الطّرح، الذي يشرّح هذه العلاقة ويبرز أهمّ تمظهراتها، يبرّر هذا الصراع المتواصل بالطّابع الصّدامي للنصّ –أو بالأحرى المادّة الموجودة في النصوص المكوّنة للموروث الإسلامي (قرآن، أحاديث…)

 

الأحداث الإرهابية خلال السنتين الأخيرتين في فرنسا أعادت الموضوع إلى دائرة الضّوء، وتصريحات الرّئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن الانفصاليّة الاسلاميّة وما تبعها من عمليَّات ارهابيّة مكّنَ من لحظة تأمّل حول هشاشة البنية الايمانيّة لطيف واسع من المُسلمِين. اذن، فالإشكاليّة تتمثّل أساساً في تمثّل لمفهوم الحريّة في علاقته بالمحيط المجتمعيّ وبالنصّ الديني. فقد ظلَّ حبيس الاستعمال التقليديّ الذي يؤدّي إلى الانصياع إلى الأهواء الميتافيزيقيّة.

Emmanuel Macron dénonce "un raccourci fatal" entre lutte contre le terrorisme et islam

يبدو السُّؤال ملحّا أكثر من أيّ وقت مضى حول مدى امتداد هذه الأهواء الميتافيزيقيّة واستتباعاتها على المستوى الفردي والجماعي.

فضمن الزّخم الفكريّ في الموروث العربي الإسلامي، غُيِّبَتْ التيّارات الفكريّة التي اعتمدت قراءات مختلفة عن السائد.

فالمعتزلة ومنهجهم في تأويل النصوص الدينيّة ظلّت على مرّ العصور، أقليّة لا يسمَعُ لها نداء. وما يدور اليوم في جلّ أنحاء العالم من عمليّات ارهابيّة –بعيدا عن القراءات التي ترجّح الضلوع الاستخباراتي والصراعات الاستراتيجيّة – يجد مستقرّاً وحاضنة في مجموعة من المراجع الدِينيّة التي ترتكز بدورها على السنّة والقرآن. هذا الأخير باعتباره النّص المؤسّس للدّيانة الاسلاميّة،

لكن القراءات تخلف باختلاف الأهواء والظّروف من المذاهب الأربعة إلى الفرق الكلاميّة وصولا إلى المحاولات الفرديّة لتجديد الخطاب الديني، تبدو الفوارق شاسعة والتأويلات متعدّدة حدّ التناقض في أغلب الأحيانِ.

وهو ما يشرّع للسّؤال: أيّ التأويلات هي الأقرب للحقيقة؟

 

الحقيقة أنّ اشكاليّة التأويل هي أمر جوهريّ، ذلك أنّ الخطاب المتطرّف يحاول أنْ يجد أرضيّة تبريريّة لعمليّات الارهابيّة استناداً على محو صيرورة التّاريخ، اذ أنّ آليّات اشتغاله قائمة على عصور غابرة مع قطيعة تامّة مع ما يحصل من متغيّرات في الحاضر.

وتتعمّق الأزمة مع الإصرار على انكار تاريخيّة النّص وغياب القراءة التأويليّة للنص القرآني في سياقاته التاريخيّة.

 

الهوّة بين عالم متخَيَّل منشود قوامه تعاليم قروسطيّة مستمدّة من الآيات القرآنيّة التي تفهم في حرفيّتها، وعالم موجود على أرض الواقع فيه من التعقيدات ما يتعارض مع المثل الاسلاميّة، وهو ما يعيد للأذهان مقوّمات صراع الحضارات الذي يترجم بحالة اغتراب يعيشها الفرد المسلم في مجتمعات غربيّة.

وهو نتيجة لمجموعة من التناقضات بين الديني واللاّديني الذي يؤدّي إلى التّعامُل مع الآخرين وفق نظام ثنائي يتمثّل في اعتبار الآخر كعدوّ او حليف إضافة إلى وضع كلّ الأمور في ميزان الحلال والحرام. وهو ما يخلق نوعاً من الهشاشة الدّينيّة التي تكون عادة سمة شخصيّة مأزومة وفي قطيعة تامّة مع واقعها.

 

اذن، فحالة الانفصام التي تعيشها المجتمعات العربيّة تصدَّر إلى المسلمين في البلدان الغربيّة لا بل تصبح اشكاليّة جوهريّة تهدّد الأمن القومي. وهو ما أدّى إلى الحديث – تزامنا مع كلّ عمليّة ارهابيّة – عن إسلام تنويري يتماشى مع قيم الجمهوريّة في فرنسا.

Vu de l'étranger. Pourquoi la France reste “la cible n°1” du terrorisme en Occident

 

لكن مثل هذا الطرح الطوباوي يتعارض مع الخطاب المتطرّف الذي يمثّل الحاضنة الأساسيّة للأعمال الارهابيّة، إذ يكشف عن أزمة هويّة تدفع بالفرد إلى أقصاه في ظلّ مجموعة من التناقضات التي يعيشها يوميّا تجعله يعتنق أيديولوجيا عدميّة يتوهّم أنّها تنصر الإسلام ولو رمزيّاً.

من الضروريّ تسليط الضّوء على التمشّي التأويلي الذي يتبّعه الخطاب المتطرّف في هذه الحالات والتي تنبني على طريقة تمثّل للأشياء/العالم حسب منظومة فكريّة تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسيّة هي: المقدّس (النّص القرآني أساساً)، الحريّة والصّورة.

 

عن المقدّس: إنّ ما يميّز ما يسمّى بالإسلام المعتدل عن الإسلام الثائر الذي يتبنّى العنف هو طريقة التعامل مع النّص القرآني. ففي حين يعتبر الأوّل مجموعة الآيات التي تدعو إلى العنف معطّلة وهي للتعبّد فقط بما أنّ الإسلام ارتبط ارتباطا محكما بالاجتهاد،

يعتبر الخطاب المتطرّف القراءة الحرفيّة للنّص الديني وهو بذلك يرفعه كمنهاج للعمل بعيدا عن أيّ اعمال للعقل أو محاولة لتنزيل النص في سياقاته التاريخيّة. وهو ما يسهّل توفّر الحجّة الدينيّة لتبرير الأعمال الارهابيّة وفرض نمط عيش معيّن يعود ى قرون مضت تُرسَمُ من خلاله ضوابط الحريّة.

 
سمات المتطرفين... من التاريخ إلى الراهن | الشرق الأوسط

عن الحريّة: الحريّة ههنا، تأخذ بعدا خاصّا يتماشى مع المنظومة الفكريّة المتطرّفة. أي أنّ حريّة الابداع مثلا مسموح مع شروط معيّنة. انّه ضرب من القيد الخفيّ وفرض لمجموعة من القوانين التي وضعت بأهواء فرديّة وقراءات تأويليّة خاصّة. لذلك، نلاحظ اضطراباً للفرد الذي يتبنّى هذه الأيديولوجيا.

حالة الاغتراب هذه تجعله يقرأ ممارسة الآخر للحريّة على أنّها جريمة تستوجب عقوبة. ولعل من أهمّ الأمثلة التي يمكن أن توضّخ استتباعات هذا التضارب، هو ما حصل للطاهر الحدّاد ونصر أبو زيد ونجيب محفوظ وفرج فودة. كلّها أسماء كان لها تمثّل للحريّة يتضارب مع الخطاب المتطرّف وانتهى الأمر بالاغتيال، النّبذ أو محاولة القتل بسبب الاجتهاد في النصوص الدينيّة أو تقديم عمل ابداعيّ.

 

عن الصّورة: مسألة العمل الإبداعي وحدود حريّة التعبير ظلّت معضلة من المنظور الإسلامي. فالخطاب المنتج حول الصور الكاريكاتوريّة لمجلّة شارلي هيبدو الفرنسيّة يمثّل مرآة تعكس منظومة فكريّة جماعُ أضدادا ويعرّي هشاشة البنية الايمانيّة التي تحدّثنا عنها سابقاً. مع الحق في السخرية من المعتقدات الدينيّة في بلدان (فرنسا مثلا) يجد المسلم نفسه أمام مأزق التوفيقيّة مرّة أخرى ويحاول رتق تلك الهوّة التي يحدثها تصوّره للحريّة والابداع مع مراعاة معتقداته.

هذا التمزّق هو الذي يؤدّي إلى انفلات الأفراد من المناهضين لحريّة التعبير ليعبّروا عن رفضهم بأعنف الوسائل. انّها الحالة التاريخيّة التي تبيّن السيرورة التاريخيّة للصورة بين تبنّ وانتفاء، بين مصاحبة ومحاربة،

 

ديلي تلغراف": هناك مؤشرات عن عودة بعض المتطرفين من سورية لتنفيذ هجمات في بريطانيا

فيعود الصراع المذهبي بين الأيقونوفيليين والأيقونوكلستيين، أي بين محبّي الصورة وعشّاقها ورافضيها. وهو صراع تأتي خطورته حاليّا لا في تمظهراته العنيفة فقط والتي تودي بحياة الخارجين عن هذه المنظومة الفكريّة، بل في وعي العديد من الأنظمة السياسيّة (كتركيا مثلا) بهشاشة البنية الايمانيّة لجزء من المسلمين ومحاولة توظيفها في صراعات جيوستراتيجيّة وهو ما يزيد من خطورة الموقف ويزيد من حدّة العنف على المستوى الفردي الذي يتوَّج بما يسمَّى بالذئاب المنفردَة التِي تعتبر نفسها حامية للدّين ومدافعة عنه وهي في الحقيقة مجرّد دمى تحرّكها أياد خفيّة.

 

شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعى: