العنف في المجتمع التونسي..نتاج الفردانية وضياع الدولة

ما بين مرحلة انتقالية و أخرى إعتباطية عبثية، يستفيق الإنسان كل صباح على خبر عدوان دولة على أخرى أو جريمة قتل سببها سرقة هاتف أو دين أو ثأر أو رغبة جنسية مكبوتة منذ أزل لم يجد صاحبها شكلا مناسبا لتصعيدها. فالحروب و جرائم القتل و العنف سمة من سمات العصر الذهبي :عصر العولمة الرأسمالية.

 

لا يمكن الحديث عن العنف في معناه المطلق، أو كظاهرة اجتماعية، أو كلغة تواصل، أو كوسيلة للبحث عن الاعتراف و إبراز الوجود، أو كسلوك إجرامي مرضي دون الغوص في أسبابه المباشرة المرتبطة بالتنشئة والمحيط الأسري والتربوي للفرد.

الأستاذ في علم الإجتماع والمدير العام السابق للمرصد الوطني للشباب محمد الجويلي في حواره مع وضوح حلل ظاهرة العنف في الوسط التربوي والمؤسساتي التي ترجع أساسا لأزمة قسم مبادئ قيم وافق وأزمة مشروع.. أزمة في التعامل بين مختلف مكونات المؤسسة التربوية بصفة عامة.. حادثة العنف تكشف عمق الازمة. العنف أزمة مجتمع.. العنف جزء من تركيبة المجتمع في جميع الفترات.. لكنه يتعمق في عدم وجود مشروع مجتمعي.. لأن المشاريع المجتمعية هي التي تتكفل بتحجيم العنف َتاطيره وقطع أسبابه.
 

 المؤسسات التونسية..درجة صفر من الإنصات..

 
 
تشتغل المجتمعات على كيفية السيطرة على هذا العنف وتصريفه بطريقة تجعل المجتمع أكثر توازنا َتحقق السلم المجتمعي
وجود العنف بهذا المنسوب يدل على دخول المجتمع في أزمة معنى.. في حالة من الضياع والفراغ والتيه.. غياب المرجعيات العالية وغياب المعنى القيمي والرمز توصل لهكذا مستوى من العنف..تخلق توترات بالتالي.. 
المؤسسات التربوية والمجتمعية الإدارية.. الصحية.. العائلية..في حالة انهيار وتراجع.. لأنها ليست مؤسسات انصاتَ.. .ليس الإنصات بالمعنى الحرفي.. لكنها لا تنصت للتحولات السوسيولوجية الكبيرة لأي يعيشها  الفرد  داخل المنظومة المجتمعية الحالية.. انتشار نمط الحياة الاستهلاكي السريع  والتحديات المادية التي يفرضها العصر.. جعل الأفراد يدخلون في مقارنات ما يسمى بنرجسيات الفوارق الصغرى.. وهي نرجسية مؤلمة ومتعبة تنبني على المقارنات بين الفوارق الصغرى خلال الحياة اليومية.. وهو ما يثقل كاهل للأفراد ويضعهم دائما في حالة تساؤل وضغط حول وضعهم ومستقبلهم ومستوى قدراتهم..
الفشل في الإجابة عن هذه التساؤلات تكون تمظهراته مختلفة.. البعض يتجه لإدمان المخدرات.. آخرون بالهجرة السرية.. البعض بالجريمة.. بالانتماء لجماعات إرهابية.. هي جميعها محاولات للإجابة عن قلق ذاتي..
الأفراد في المجتمع الحالي كيانات ذاتية في رحلة صعود لكن للأسف هذا الصعود لم تواكبه مؤسسات التنشئة والاحاطة والتربية بتقديم خدمات ذات جودة نوعية.
في الوقت الحالي تمثل جودة الحياة المطلب الأساسي الذي يسعى الأفراد لتحقيق.. البعض يعتمد سبيل النجاح في العمل َالدراسة. البعض الآخر يلجأ لما يسمى بالطرق السريعة وهي غالبا مخالفة للقانون لذا ارتفعت معدلات الفساد والرشوة والجريمة.
 

تونس.. دولة الغياب والفردانية التائهة

 

تنوع الجريمة وتطور منسوبها يكشفان عن أزمة متعددة تبدأ من العائلة وتنتهي عند الدولة مرورا بكل مؤسسات المرافقة والتنشئة والتحولات الاقتصادية وتحولات الفرد والعلاقات الدولية والإقليمية، دون إهمال المنظومات التشريعية والسجنية ومقاربات الإحاطة الاجتماعية. إذ أن التساؤل حول الجريمة هو تساؤل حول الظاهرة في بعدها الكلي المترابط ولهذا فهي أحد أهمّ مفاتيح فهمنا لأنفسنا ولعلاقاتنا الاجتماعية.
دخلنا كما دخل غيرنا في ما يمكن تسميته بدولة الغياب ولكن في الحالة التونسية ليس اختيارا بقدر ما هو فقدان القدرة على التحكم في الأشياء وإدارتها بأقل ما يمكن من التكاليف، وتقوم دولة الغياب بالقليل لفائدة مواطنيها، هي دولة تكتفي بالهيمنة وبإدارة هذه الهيمنة دون أن تكون دولة خدمات.

بدأت دولة الغياب مع الاقتصاد النيوليبرالي الذي أبعد الدولة الاجتماعية وترك لها فقط العناية بحماية أمن الأفراد وحماية حرياتهم كذلك ممتلكاتهم.

لا يحق للدولة أن تجعل من العدالة الاجتماعية مركزا لنشاطها أي ألاّ يكون لها أيّ تدخل في الحدّ من التفاوتات بين الأفراد. ويظهر هذا التمشي بتنازل الدولة شيئا فشيئا عن تحكمها في الشأن الاقتصادي وفي الاختيارات الاقتصادية لفائدة قوى أخرى تتحكم في السوق وتدير مجالاته المختلفة بما يضمن لها مصالحها دون قرار مركزي من الدولة. إننا قد نكون النسخة بائسة من نموذج دولة الغياب وهو ما يضاعف أزمتها ويجعلها الدولة التي يمكن انتهاكها والتطاول عليها خارج ما هو مألوف ومتعاقد حوله.

شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعى: