نسخة بي دي أف أم جريدة ورقية.. كيف أثرت التكنولوجيا على الصّحافة

ترجمة لمقال شيرا زيلبرشتاين في موقع بوبليك بوكس.

 

 

من خلال تفكيك عالم الأرقام، تتعامل الكاتبة مع السؤال حول كيفيّة تفاعل النّاس مع المقاييس الرقميّة من خلال مقارنة الاختلافات بين الصحفيّين في كيفيّة تفسيرهم لأهميّة الأرقام وكيف يتمثّلون نجاح المنشور.

Shira Zilberstein | Tow Center

في مدينة نيويورك، في مركز وسائل الإعلام الإخبارية في الولايات المتحدة، يستخدم المحرّرون والصحفيون باستمرار مقاييس الويب كمؤشّر موثوق لمشاركة القرّاء، والتي تتوقف عند جمهور غير مستقر ومشتّت.

غالبًا ما يتنصّل الصحفيّون من الأرقام باعتبارها مصدر قلق تسويقي وهو مؤشّر يقع خارج نطاق معاييرهم وأحكامهم المستقلة والمهنيّة.

من ناحية أخرى، يُولي الناشرون أكثر اهتمام للمقاييس حيث يتم النّظر إليها كمؤشّر موضوعي يشير إلى الملاءمة والجدوى الاقتصاديّة. ومع ذلك، في باريس، لا يتمّ حل دور المقاييس بهذه السهولة. تعمل تحليلات الويب هناك ككائن متناقض: يمثل كل من المعاملات التجارية السطحيّة والمشاركة العميقة مع المجتمع المدني والجمهور الموحّد. وهكذا، أصبح الصحفيّون الفرنسيّون مهووسون بـ “البحث عن النقرات”، و”النقرات” التي تعمل كرمز لأهميّتها في الفضاء العام، لا سيما بالنظر إلى الأهمية التاريخية للدور المدني لمهنتهم. يستخدم الناشرون الفرنسيون المقاييس كحافز إرشادي ولكن، على عكس الولايات المتحدة، ليس كمعيار واضح لاتّخاذ القرارات التحريريّة. يشعرون بمسؤوليّة أكبر عن إنتاج محتوى “مهمّ” يتمّ تحديده بشكل مستقلّ عن تحرّكات المستخدم.

New York Times Building Stock Photo - Download Image Now - iStock

يبدأ كتاب كريستين بمشاهد ملموسة: شوارع باريس ونيويورك الصاخبة تتناقض مع المواقع التي كانت موضوع الدراسة التي تتميّز بتصميمات داخليّة رتيبة وهي منظّمة للابالاس وذو نوت بوك وهما اسمان مستعاران لوسائل إعلام. تعمل التّفاصيل الثريّة المستمدّة من بحث كريستين على تنشيط لصحفيّين والمحرّرين والمؤسّسات التي تحوّلت بفعل البيانات الضّخمة والخوارزميّات والتقنيات الرقمية واقتصاد الشركات النّاشئة.

 

عادة ما يفكّر النّاس في الأرقام والإشعارات والخوارزميّات – أو “المقاييس” – للعمل في جحيم رقمي ومنفصل عن البيئة المحليّة وينتقل من خلال شاشات الضوء وتطبيقات. غالبًا ما تتلاشى مثل هذه القياسات في “ضوضاء الخلفيّة” للحياة اليومية والروتين، والتي يمكن إغلاقها بضغطة زر أو تعتيم للشّاشة. كتمثيلات كميّة، غالبًا ما تظهر المقاييس غير شخصية، ميكانيكيّة وبعيدة عن الذّات. وهو شيء يمكن للبشر التّلاعب به ومعرفته والتحكّم فيه وزيادته أو إنقاصه حسب الرّغبة.

استنادًا إلى بحثها عن التغيّرات الملموسة التي حدثت منذ اعتماد المقاييس الرقمية على نطاق واسع في الأخبار  وتغيّر معنى النجاح الصحفي إلى جماليات صفحات الويب، تسعى كريستين في الكتاب تقاطع التكنولوجيا مع الممارسة. تعمل التقنيات الرقمية الجديدة على تشكيل الطريقة التي يقوم بها الصحفيون بعملهم. ومع ذلك، يحدّد الصحفيون أيضًا كيفيّة اكتساب التقنيات لأهميّتها. بعيدًا عن كونها موجودة في مستطيل قطري 5.8 بوصة مع مفتاح إيقاف، فإنّ المقاييس لها تأثير حميم على نسيج مجتمعاتنا ومهننا وتفاعلاتنا وهوياتنا. نظرًا لأنّ الأدوات الرقميّة تتواجد في الحياة الاجتماعيّة بشكل متزايد، أصبح من الضروريّ فهم كيفيّة دمج النّاس للتكنولوجيا في روتينهم، وكذلك كيف تقود التقنيّات أشكالًا جديدة من المشاركة. يمهّد عمل كريستين الطّريق لتحليل كيفيّة تغيّر المقاييس لتنظيم المجال المهني وكذلك كيفيّة دمج المقاييس من خلال الأساليب التي تُظهِر الاستمراريّة مع الممارسات الرّاسخة والممارسات السّابقة.

تبدأُ مقاييس كريستين في العمل بنظرة عامّة تاريخيّة لرقمنة المجالات الصحفيّة في فرنسا والولايات المتحّدة. وبذلك، يأتي كتابها ضمن سلسلة ثريّة من الدّراسات حول الصّحافة وجمهورها في هاتين الدّولتين. تتراوحُ هذه الأعمال من كتاب “الديمقراطية في أمريكا” لدي توكفيل (1835) إلى الأعمال العلميّة المعاصرة مثل تشكيل أخبار المهاجرين (2013) من تأليف رودني بنسون. لمدّة طويلة، بيّن الباحثون أنّ الأنماط الأمريكيّة والفرنسيّة للصّحافة قد تشترك في أسسٍ ديمقراطيّةٍ ليبراليّة، ولكنّها تختلف في الأدوار التي تلعبها داخل المجتمع المدني. خلال القرن العشرين، كان ما يميّز الصّحافة الأمريكيّة – كما جادل هربرت جانز في كتابه الكلاسيكي لعام 1979، تحديد الأخبار، والذي اعتمدت عليه كريستين – هو احترافها المبكّر ورفضها لبيانات الجمهور. كان يُنظر إلى أرقام الإعارة على أنها مصدر قلق تجاري، يجب إدارتها من قبل إدارات التسويق والمبيعات وليس بواسطة محرّرين مستقلّين. نتيجة لذلك، قام الصحفيُّون بعملهم كدائرة نخبوية منعزلة، مجرّدة وبعيدة عن القرّاء. من ناحية أخرى، فرضت الصّحافة الفرنسية نفسها بشكل أقوى بكثير كعنصر من مكوّنات المجتمع المدني ومسؤولة عن تثقيف وتوجيه الرّأي العام. منذ بداية القرن العشرين، اعتَبر الصحفيّون الفرنسيّون أنفسهم مثقّفين مشاركين بشكل مباشر في النّقاش العام والسياسي. بينما لا تزال أرقام البثّ تُنتقد كشكل من أشكال ضغط السّوق، فقد تم تقديرها أيضًا كعلامة على الاعتراف بالجماهير وأهميّتها.

في التّسعينيات، كانت المجالات الصحفيّة في كِلا البلديْن تتكيّف مع التحوّل الرّقمي الأوّل وصعود شبكة الويب العالميّة . إلى جانب الإنترنت، ظهرت ضغوطات اقتصاديّة جديدة على المؤسّسات الإعلاميّة والتي بدأت فجأةً تُنافس المدوّنات والإعلانات عبر الإنترنت. اضطرّت غرف الأخبار في العالم المتقدّم إلى إيلاء المزيد من الاهتمام لقرّائها وخاصة إعطاء الأولويّة لكيفيّة تلبية احتياجات القرّاء مقابل الدّعم المالي، سواء من خلال الاشتراكات الرقميّة أو رفض الإعلانات المطبوعة. أصبح التسويق أكثر تعقيدًا باستخدام التتبّع عبر الإنترنت والتّحليل السلوكي لاستهداف القرّاء بشكل صريح وزيادة المشاركة وضمان الولاء كوسيلة للبقاء الاقتصادي. الصحفيّون، أيضًا، سعوا في عملهم على تركيز جمهورهم بشكلٍ أكثر مباشرة. مع تقدّم طرق العدّ وتمثيل حركة مرور الويب والقرّاء، ازدهرت تحليلات غرفة الأخبار. أُدخلت مقاييس الويب والبيانات المستخدمة لتحليل استخدام الويب وتحسينه. تظهر هذه القياسات في الحياة في عمل كريستين، حيث تتقلب باستمرار وتتسارع وتتباطأ وتتجه وتنعش على الشاشات التي تشاهدها. الأوصاف، جنبًا إلى جنب مع الصّور، تعطي القارئ لمحة عن الصفات الرائعة لـشارت بيت، برنامج التحليل الذي يستخدمه لابالاس     وذو نوت بوك. تتحّد العديد من المخطّطات والجداول والإحصائيات والمؤقتات والأرقام والأسهم لتشكيل واجهة. هكذا، يتمّ تمثيل المستهلك في شكل مجموعة من نقاط البيانات والاتجاهات وعدد النقرات.

مركز المستقبل - فرص وتحديات الصحافة في العصر الرقمي

 

على الرغم من أنّ منشوريْن قد يستخدمان نفس برنامج التحليل، إلاّ أن تفسيراتهما لنتائج شارت بيت تختلف. بهذه الطريقة، تتحدّى كريستين توقّعات المؤسّسات والأكاديميين في جميع أنحاء العالم بأنّ الصحافة سوف تتماشى مع انتشار التقنيات الجديدة؛ كما أنّها تتجنّب مآزق الحتميّة التكنولوجية. يثير غموض المقاييس مجموعة من التّفسيرات المتباينة، اذ تتشكّل من خلال سياقات مؤسسيّة محدّدة للإنتاج بما يتجاوز العمل البسيط للأنظمة التكنولوجية. يؤدّي غموض المقاييس إلى أحد أكثر مفاهيم الكتاب المركزية: “الجماهير الخوارزميّة”. يكتسب هذا المفهوم أرضيّة في العلوم الاجتماعيّة، وكذلك في البحث الحسابي والإنساني، حيث يتمّ التوسّط في المزيد والمزيد من التفاعلات الاجتماعيّة من خلال المنصّات الرقميّة. “يرى” الصحفيّون جمهورهم كمجموعات من البيانات، والتي تكشف عن خصائص مثل المقالات الأكثر قراءة ومقدار الوقت الذي أمضوه في قراءة كل منها وما هي المواقع الأخرى التي يزورونها. تستخدم كريستين مفهوم “الجمهور الخوارزمي” للإشارة إلى التمثيلات الغامضة للفضاء العام التي تنشأ من إسناد المعنى إلى هذه المقاييس. في الولايات المتحّدة الأميركيّة، يعتبر جمهور الخوارزميّات من اهتمامات السّوق المجزأة، وليس موضوعًا له أهمية كبيرة سواء كان ذلك على مستوى فكري أو إبداعي. كما يلاحظ أحد المحرّرين، “ما نراه في بياناتنا هو أنّه كلّما زاد نسق النّشر، زاد عدد القرّاء الذي نحصل عليه.” تمثل الأرقام مؤشرًا اقتصاديًا بسيطًا.

تونس المنصة الأولى للكشك الرقمي في شمال إفريقيا | جريدة الشروق التونسية

من ناحية أخرى، يدافع جمهور الخوارزميّات الفرنسي عن هيئة مدنيّة أكثر نشاطًا وانخراطًا والتي يجب الاهتمام بها باعتبارها شاغلًا اقتصاديًا وأخلاقيًا. يوضّح ناشر باريسي أنه “لا يتّبع شارت بيت كثيرًا” لأنه “عندما تشاهد شارت بيت طوال الوقت، فإنّك تتخذ خيارات قد لا تكون الأفضل لهويّة الوسائط.” من شأن منطق تعظيم النقرات أن يشجع على نشر مقالات “مهينة” مثل أخبار المشاهير أو قصص الحيوانات بدلاً من نشر ما يعتبره النّاشر أخبارًا مهمّة وغنيّة بالمعلومات وسياسيّة للجمهور ككتلة مدنيّة. كما تصف كريستين هذه الجماهير الخوارزميّة بضربات واسعة باستخدام فئات تتّفق مع العلاقة التاريخيّة بين الصحفيّين والجماهير في كلّ دولة. قد يرغب القارئ في مزيد من النسيج والخصوصيّة في هذه التخيّلات الغنية. ماذا يعني أن يعرف المراسل أن 40000 شخص نقروا على مقال في آخر برنامج واقعي؟ كيف ترتبط أوصاف تفضيلات الجمهور مثل “تافه” أو “مهووس” بالقوالب النمطيّة حول الجنس والعرق والطبقة والتعليم؟ ما نوع المجتمع الذي تؤدي إليه هذه المقاييس وكيف يتناسب الصحفيون مع هذه الكتلة؟ هل يرى الصحفيون أنفسهم متشابهين مع جمهورهم أم متفوّقون ؟

ينتهي الكتاب بمقارنة حول كيفيّة حلّ كل مؤسّسة للتوتّرات بين التّعريفات التحريريّة القائمة على النّقر للجودة من خلال تطوير نظام قوّة مميز. في نيويورك، يعرض ذو نوت بوك القوّة   البيروقراطيّة. يتميّز هذا النظام بسلطة إدارة مركزيّة وهرميّة فضلاً عن قواعد واضحة وحدود داخليّة تفصل بين الاهتمامات التحريريّة والقائمة على النّقر. تعتبر الأحكام التحريريّة أكثر شهرة. يمنح هذا مكانة للصحفيين الذين يكتبون مقالات مطوّلة تتمايز بوضوح عن مشاركات المدوّنات المُوجَزة التي تهدف إلى تحقيق عددٍ من المشاهدات. في باريس، يعتمد لابلاس على السّلطة التأديبيّة. هذا النّظام لامركزي ومرن بقواعد غامضة وحدود غير رسميّة ضعيفة. يُنظر إلى المراجعات التحريريّة والقائمة على النقر على أنّها تكافلية، وكلاهما ضروريّ لتحقيق هدف المنشور المتمثّل في المشاركة والتعليم. بوجهة نظر اثنوجرافية دقيقة، تُظهر كريستين كيف يؤثّر كلّ نظام سلطة على الأبعاد المكانيّة والجماليّة لإنتاج المعلومات. يعكس تنظيم المساحات المكتبيّة وواجهات مواقع الويب إمّا بنية السلطة البيروقراطية الصارمة والمجزأة والتسلسل الهرمي لمدينة نيويورك أو بنية السلطة التأديبية المليئة بالثغرات في باريس. وبالتالي، تنتقل المقاييس عبر غرف العمل الماديّة والرقميّة لتشكيل كيفيّة عمل غرف الأخبار. إنّهم يغيّرون تكوين المساحات التحريرية  ومحتوى وعرض المنتجات الإخبارية، والالتزامات النّاتجة بين الصحفيّين والجمهور والمقالات.

الرقمنة.. دليل الدولة لمحاربة الفساد — مصر 360

 

الهيكل المقارن لمشروع كريستين هو مصدر قوّة. إنّه يتيح التّدقيق التحليلي الذي يلقي الضوء على خصوصيّة السياق والقصور المؤسّسي الذي يشكّل الطريقة التي تُنْشِئ بها الدول المعلومات. تصبح الزاوية المقارنة مهمّة بشكل خاص لحجّة القائلة بأن المقاييس، بعيدًا عن كونها “موضوعية” كأدوات معيارية ومتجانسة، تعمل بالأحرى ككيانات متنازَعٍ عليها وغامضة. قد يفسّر صحفي نيويورك 10000 نقرة على أنّها نجاح تجاري، دون أي آثار على جودة كتاباته أو أفكاره. ومع ذلك، يمكن للصحفي الباريسي أن يفسّر نفس تلك الـ 10000 نقرة كدليل على التواصل الفعّال ونجاحه في تثقيف جمهوره حول موضوع ذي صلة. من خلال وضع الاستخدامات والتفسيرات المعاصرة للمقاييس ضمن التطوّر التاريخي لدور الصحفيّين وعلاقتهم مع الجمهور في كلّ دولة، تساعد القياسات في العمل القارئ على فهم العمليّات التي تصل بها المقاييس إلى معناها وتأثيرها اللّاحق. تدخل المقاييس والخوارزميات والمنصات الرقمية بشكل متزايد في الأنشطة ومجالات الحياة، وهو توجّه تسارع مع وباء فيروس كورونا. نظرًا لأنّ العديد من الأشخاص يعملون، يتعلمون، يصلون، ويمارسون الرياضة ويتواصلون مع الآخرين من خلال الوسائل الوسيطة والتمثيل الرقمي، ويبدو أن تحويل هذه التقنيات إلى “صامت” أو الضغط على زر التوقف لم تعد مجرد خيارات.

وتختتم كريستين بملاحظة متردّدة ولكنّها متفائلة. إنّها لا تتبنّى وجهة نظر ديستوبية للحتمية التكنولوجية، وهو مستقبل تتحكّم فيه الخوارزميات في عملية صنع القرار البشري وينهار المجتمع لتحلّ محلّه التفاعلات الميكانيكية أو تخلق ضغوط السوق سباقًا مجنونًا للانسياق وراء اللّعبة. ومع ذلك، فهي ليست فريسة الرؤى الرومانسيّة لإمكانيّات التحوّل الديمقراطي على شبكة الإنترنت. على العكس من ذلك، فهي مستمدّة من قوّة المقاييس، وهي قوّة يجب ممارستها بمسؤوليّة مع إيلاء اهتمام خاصٍّ لتداعياتها بعيدة المدى. ربّما يمكن أن تساعد المقاييس في زيادة وضوح الأصوات الممثلة تمثيلا ناقصا بدلا من مجرّد فرض قيم السّوق الحاليّة أو التسلسلات الهرمية المهيمنة. ربّما يمكن للتحليلات إنشاء أشكال جديدة من المساءلة وإعادة ترتيب الأولويَّات بناءً على احتياجات الجمهور. ربّما يمكن للجماهير الخوارزميّة أن تكتسب إمكانات عاطفية ممّا يجعل المزيد من الناس يشعرون بأنهم مرئيون، مسموعون ومندمجون. ربّما، على الأقل، يمكننا الاستمرار في تعطيل الأرقام المعيارية المضمّنة الآن في عملنا وتفاعلاتنا وهويّاتنا، ودفعها خارج العالم السفلي إلى المعروف.

شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعى: