لماذا فشلت أمريكا في إعادة بناء دولة أفغانستان؟

مقال مترجم عن موقع project syndicate
الكاتب :دارون اسيمغلو
ترجمة: فاتن عمري
طوال عشرين عاما، كان من الواضح أن الولايات المتحدة تستطيع تأسيس نظام أفضل في أفغانستان، لكن المأساة التي دارت فصولها في شهر أغسطس لم تكن وليدة اللحظة، بل استمر التحضير لها عشرين عاما. 
من القمة للقاع.. استراتيجية الفشل
منذ البداية تبنت أمريكا وحلفاؤها_دون إعادة النظر_استراتيجية بناء دولة من القمة للقاع، وهي الاستراتيجية التي نذرت للفشل.
قبل عشرين عاما، غزت الولايات المتحدة أفغانستان أملا في إعادة بناء بلد تحول لبلاء على العالم وعلى مواطنه.
عام 2009، في الفترة التي سبقت زيادة القوات الأمريكية في أفغانستان، أوضح الجنرال ستانلي ماكريستال ان الهدف كان “ان تسيطر حكومة أفغانستان على اراضيها لدعم الاستقرار الإقليمي ومنع استخدامها للإرهاب الدولي”.
حاليا، مع مقتل اكثر من 100 الف شخص واتفاق حوالي 2 تريليون دولار، كل ما بقى لامريكا من مظاهر لهذه الجهود، هي مشاهد الدافع اليائس خارج البلاد، انهيار مذل يذكرنا بسقوط سايغون عام 1975، مالذي حدث؟
البنتاغون: انسحبنا من 5 قواعد عسكرية في أفغانستان بموجب اتفاق مع طالبان -  CNN Arabic
لماذا اخفق المشروع الأمريكي؟ 
كل هذه العوامل ساهمت تقريبا في النهاية:
 التخطيط السيئ والافتقار للمعلومات الاستخباراتية الدقيقة عوامل ساهمت بالتأكيد في الكارثة، التي كانت في طور التشكيل لمدة عشرين عاما.
أدركت الولايات المتحدة مبكرا ان الطريقة الوحيدة لتكوين دولة مستقرة مع بعض مظاهر وجود القانون والنظام هي انشاء مؤسسات دولة قوية.
بتشجيع من عديد الخبراء وأصحاب النظريات البائدة؟ تعامل الجيش الأمريكي مع هذا التحدي باعتباره مشكلة هندسية: كانت أفغانستان تفتقر الي مؤسسات الدولة،  منظومة أمنية فعالة، محاكم، طبقة البيروقراطيين أصحاب المعرفة والخبرة.
لذا كان الحل تعبئة ال موارد واستقدام خبرات من الأجانب.
تواجدت منظمات غير حكومية و تجمعات المساعدات الغربية الواسعة بغض النظر عن قبول السكان لهم من عدمه. ولأن عمل المنظمات الأجنبية يتطلب درجة من الاستقرار والامن، تم نشر الجنود الأجانب_ قوات الناتو بشكل اساسي_ومعهم شركات امن خاصة، للحفاظ على للامن.
على اعتبار عملية بناء الأمة تتم من الأعلى الاسفل، اتبع صناع السياسة الأمريكيون تقليدا مبجلا في العلوم السياسية، تقوم هذه الفرضية انه اذا تمكنت دولة عظمى من فرض قوة عسكرية ساحقة على منطقة ما واخضاع جميع الموارد الاخرى، يمكن لها حينها فرض إرادتنا، مع ذلك، في معظم الحالات، حققت هذه النظرية نجاحا نسبيا، في أفغانستان كانت خطأ مميتا.
من الطبيعي ان أفغانستان كانت في حاجة إلى دولة فاعلة، لكن فرضية إسقاط نظام من قوة اجنبية كانت مجانبة للواقع، حسب ما ناقشناه_ انا وجيمس روبنسون_ في كتابنا the narrow corridor الصادر عام 2019، فإن اتباع هذا النهج لا معنى له عندما تكون نقطة البداية  في مجتمع غير متجانس ينبني على العادات والاعراف المحلية، حيث كانت مؤسسات الدولة إما غائبة او معطلة لفترة طويلة.
أمريكا تخرج مرغمة من أفغانستان.. فهل تمهّد الطريق أمام طالبان لإعادة  السيطرة على البلاد؟
أفغانستان : بين الفساد والصراع المسلح
رغم ان المنهج التنازلي لبناء الدولة نجح في بعض الحالات (سلالة تشين في الصين او الإمبراطورية العثمانية كاملة)، لكن اغلب الدول لم تبن بالقوة بل بالوافي والتعاون.
أن المركزية الناجحة للسلطة في ظل مؤسسات الدولة تبنى في الأغلب على موافقة وتعاون الخاضعين لها.
في هذا النموذج، لا تفُرض الدولة على مجتمع ضد رغبته، بدلا من ذلك، يتم تأسيس مؤسسات الدولة من خلال تأمين ولو قدر ضئيل من الدعم الشعبي.
هذا لا يعني ان الولايات المتحدة كان يجب أن تتعاون مع طالبان.
لكن كان يجب على أمريكا العمل بشكل وثيق  مع المجموعات المحلية المختلفة، بدلا من ضخ الموارد في نظام فاسد لا يمثل الشعب، الذي ترأسه حامد كرزاي واخوته.
عام 2009،شارك اشرف غني الرئيس الافغاني المدعوم من الولايات المتحدة والذي فر للإمارات  العربية المتحدة عقب سقوط نظامه، في تأليف كتاب يوثق كيف غذت الاستراتيجية الأمريكية الفساد وفشلت في تحقيق أهدافها المعلنة.
رغم وعيه بذلك، استمر اشرف غني في السير على نفس المسار بمجرد وصوله للسلطة.
منذ البداية، اعتبر الأفغان الوجود الأمريكي عملية اجنبية تهدف لاضعاف مجتمعهم، فلم تكن هذه هي الصفقة التي يريدون.
ماذا يحدث عندما تكون الجهود لبناء الدولة تسير من الأعلى الأسفل ضد رغبات المجتمع؟ في كثير من الحالات، يكون الانسحاب هو الخيار الامثل، اي الهجرة، كما وضحها جيمس سي سكوت في كتابه “فن عدم الحكم”، الذي وثق دراسته عن شعب زوميا جنوب شرق آسيا، أو منظومة التعايش المشترك دون تعاون كما في حالة الاسكتلنديين في بريطانيا او الكاتالونيين في اسبانيا.
لكن في مجتمع شديد الاستقلالية وجيد التسليح وله تقاليد طويل من الثأر وتاريخ حديث من الحروب الأهلية، يكون الرد الأكثر ترجيحا هو الصراع العنيف.
لماذا تركت أمريكا أسلحتها في أفغانستان؟!
هل كان يمكن تجنب الكارثة؟ 
ربما كان من الممكن أن تسير الأمور بشكل مختلف اذا لم تدعم وكالة الاستخبارات الأمريكية طالبان عند هزيمتها عسكريا، وإذا لم تعزل هجمات طائرات الناتو السكان، وإذا لم تكن النخب الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة فاسدة بشكل علني مبالغ فيه، لكن كل هذه العوامل تظافرت ضد عملية بناء الدولة.
الحقيقة انه كان على الولايات المتحدة ان تعرف ذلك بشكل أفضل، كما وثقت ميليسا ديل وبابلو كوي وبين، تبنت أمريكا استراتيجية مماثلة في فيتنام، ولدت لنتائج عكسية: أصبحت الأماكن التي م قصلهز لاخضاع المتمردين هي بؤر لدعم التمرد ضد أمريكا.
حسب البحث الذي اجراه ايلي بيرمان وجاكوب شابي و جوزيف فيلتر، فإن زيادة القوات العسكرية عملت يشكل افضل عندما وظفتها الولايات المتحدة في كسب الحشد والتأييد الشعبي من خلال الجماعات المحلية.
في المناطق الريفية، اثبتت التجربة ان الناس يلجؤون بشكل اكبر للمنطمات غير الحكومية عندما يعتقدون ان المنظومة الحاكمة غير فعالة وغريبة عليهم.
رغم كل ما سبق، لا يمكن القول ان هذه الاسباب منعت الولايات المتحدة من تنظيم الانسحاب بشكل أفضل، لكنه كشف حقيقة انه بعد 20 عاما من الجهود المضللة، كان الفشل مصير الولايات المتحدة والنتيجة
مأساة انسانية مروعة، فحتى لو لم تعد طالبان لأسوء ممارساتها، فإن الأفغان خاصة النساء سيدفعون صمنا باهضا لاخفاقات أمريكا في السنوات والعقود القادمة.
شارك المقال على وسائل التواصل الإجتماعى: