تدمير الإقتصاد وانهيار الدولة.. الثمن المجحف للشعبوية

  • ترجمة مقال لمانویل فانك، موریتس شولاریك وكریستوف تریباش.

دفع صعود الشعبویّة على مدى العقدین الماضیین الكثیرین للعمل على محركّاتھا، ولكن لا یُعرف الكثیر

عن عواقبھا الاقتصادیّة والسیاسیّة.

یستخدم ھذا العمود قاعدة بیانات وطنیة شاملة عن الشعبویة یعود تاریخھا إلى عام 1900 لتقدیم منظور تاریخي طویل المدى.

وھذا یدل على أن الشعبویة لھا تاریخ طویل ومتسلسلة بطبیعتھا – إذا كانت العدید من البلدان قد حكمھا شعبوي لمرّة واحدة، فمن المرجّح أن ترى شعبویًا آخر یتولّى منصبھا في المستقبل؛ القیادة الشعبویة مكلفة اقتصادیًا مع انخفاضٍ ملحوظٍ على

المدى الطویل في الاستھلاك والإنتاج؛ والشعبویة معطّلة سیاسیّاً وتسرّع عدم الاستقرار والتدھور

المؤسسي.

حفّز صعود الشعبویّة في العقدین الماضیین الكثیرین للعمل على محددات التصویت الشعبوي

(انظرRodrik و Guiso et al. 2017 أو ، Guriev and Papaioannou 2020 مراجعة2017) .

في المقابل، ما زلنا نمتلك معرفة محدودة بالعواقب الاقتصادیة والسیاسیة للشعبویة.. كیف یكون الاقتصاد بعد وصول الشعبویین إلى السلطة؟ ھل الشعبویة تھدید للدیمقراطیة اللیبرالیة أم لا؟

لم یتم الرد على ھذه الأسئلة بشكل كاف. علاوة على ذلك، تركّز معظم التحلیلات الحالیّة على البلدان الفردیّة  أو البیانات المتعلّقة بالعشرین أو الثلاثین عامًا الماضیة.

 

للإجابة على ھذه الأسئلة، قمنا ببناء قاعدة بیانات شاملة عبر البلاد حول الشعبویة، وتحدید 50 رئیسًا

شعبویًا ورئیس وزراء في الفترة الممتدّة من سنة 1900 إلى سنة2018 لترمیزالقادةالشعبویین، اعتمادا على تعریف العلوم السیاسیّة، الذي یعتبر الشعبویة وفقًا لاستراتیجیة سیاسیة تركز على الصراع

بین “الشعب” و “النخب” (على سبیل المثال 2004 Mudde .) على وجھ التحدید، نعرّف القائد بأنه

شعبوي إذا وضع النضال المزعوم للشعب (“نحن”) ضد النخب (“ھم”) في مركز حملته السیاسیةوأسلوبه في الحكم (على سبیل المثال، استنادًا إلى ھذا التعریف لا یمكن تصنیف بوتین أو ریغان أو أوباما على أنھم شعبویون، لكن من الواضح أن بولسونارو أو برلسكوني أو ترامب ینضوون تحت هذا التصنيف).

لقد قمنا بجمع وترقیم وتقییم أكثر من 20000 صفحة من المؤلّفات العلمیّة حول الشعبویّة وحدّدنا 50 قائدًا یتناسبون بوضوح مع التعریف أعلاه للسیاسي الشعبوي. وبشكل أكثر تحدیدًا، قمنا بتقییم ما یقارب 1500 قائدا (أي رئیس أو رئیس وزراء أو ما یعادله) في 60 دولة منذ عام 1900 .

بدأنا منذ عام1900، قبل ذلك التاریخ، توجد القلیل من الأدلة على وجود شعبویین في الحكومات على

المستوى الفیدرالي.. (في عام 1896 ،ترشح الشعبوي ویلیام جینینغز برایان للرئاسة في الولایات المتحدة

لكنه خسر).

باستخدام ھذه العینة، أجرينا تحلیلاً تاریخیًا حول صعود وانهيار القیادة الشعبویة في جمیعأنحاء العالم على مدار 120 عامًا الماضیة وقسنا  تداعیاتھا السیاسیّة والاقتصادیّة.

الشعبویة لھا تاریخ طویل وذات طابع تسلسلي

یلخص الرسم 1 التطوّر التاریخي للشعبویة من خلال رسم نسبة البلدان المستقلة في عیّنتنا المكوّنَة من

60 دولة یحكمھا شعبویون منذ سنة 1900 .

 

 

یوضّح الرّسم أن الشعبویة على مستوى الدولة موجودة منذ أكثر من قرن وأنّھا _مؤخرا _ وصلت إلى مستوى مرتفع تاريخيا.

حسب البحث، أول رئیس شعبوي كان ھیبولیتو یریغوین، الذي تولّى السلطة في الانتخابات العامّة للأرجنتین عام1916، ومنذ ذلك الحین، كان ھناك ذروتان رئیسیّتان  للشعبوية: خلال فترة الكساد الكبیر في الثلاثینیّات الفارطة وفي2010 .

شكلت ثمانینیّات القرن الماضي أدنى نقطة بالنسبة لوصول الشعبویین إلى السلطة.

مع ذلك، بعدسقوط جدار برلین، عادت الشعبویة للبروز ليشهد  عام 2018 أعلى مستویاتھاعلى الإطلاق، حیث حكمت 16 دولة تصفھا أدبیات العلوم السیاسیة بأنھا شعبویة (أكثر من 25 ٪من العیّنة).

ویمكن أن تُعزى الزیادة الأخیرة بشكل أساسي إلى ظھور الیمین الشعبوي الجدید في أوروباوخارجھا.

الرسم 1 :

الشعبویون في السلطة: حصة البلدان في العینة

 

یوضح الرّسم   272 بلدا حول العالم  لھا تاریخ في القیادة الشعبویّة (أي حكومة شعبویة واحدة على

الأقل منذ عام 1900 أو الاستقلال).

النتيجة الرئیسیة من ھذه الإحصائيات ھي أنّ الشعبویّة على المستوى الحكومي تبدو متسلسلة بطبیعتھا، كمایمكن ملاحظتھا في نفس البلدان مرارًا وتكرارًا.

إن وجود الحكم الشعبوي في الماضي یعدّ مؤشرًا قویًا على صعود الحكم الشعبوي في السنوات الأخیرة. ومن المثیر لاھتمام أنَّ نصف البلدان التي شھدت فترات شعبیة متكرّرة في الرّسم 2 شھدت تحولات من الشعبویة  الیساریة إلى الشعبویة الیمینیة أو العكس.

الرسم 2 :نوبات الزعیم الشعبوي حسب البلد: الأنماط المتكررة

الشعبویة مكلفة اقتصادیًا

یعطي الرّسم 3 لمحة عن العواقب الاقتصادیّة التي یمكن أن نتوقّعھا من الطفرة العالمیّة للسیاسة الشعبویة في السنوات الأخیرة.

تُظھر اللوحة (ب) أربعة فجوات أداء متوسّط غیر مشروط في نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقیقي السنوي بعد وصول الشعبویین إلى السلطة. وھذا (مستوحى من قیاس بلیندر وواتسون 2016 لفجوة أداء الرئیس الدیمقراطي والجمھوري في بيانات الولایات المتحدة بعد الحرب.) 

كان أداء البلدان ضعیفًا بمعدل نقطة مئویة واحدة تقریبًا كل عام بعد وصول شعبوي إلى السلطة، مقارنةً

بمعدل النمو النموذجي طویل المدى لبلدھم (الأعمدة البیضاء) ومعدل النمو العالمي الحالي (في ذلك

الوقت) (الأعمدة الرمادیة).

ھذا صحیح على المدى القصیر أي خمس سنوات والمدى الطویل لمدة 15عامًا بعد أن یكتسب الشعبوي السلطة.

نتائج اللوحة (أ) غیر مشروطة بالأحداث الاقتصادیة المحیطة بدخول الشعبوي إلى المنصب بمرورالسنوات، ولا تستخدم مجموعة رقابة صارمة. كل ھذا مھمّ بشكل خاصّ لأنّ اختیار البلدان في

الحكومة الشعبویّة من المحتمل ألاّ یكون عشوائیّا فیما یتعلّق بالاقتصاد.

ھذا ھو السّبب في أنّنا أصبحنا أكثر صرامة في اللوحة ب. نحن نطبّق طریقة التحكّم الاصطناعیة

(SCM) التي اقترحھا Abadie وآخرون لإنشاء نموذج مشابه لكل حالة، باستخدام خوارزمیة لتحدید

أي مجموعة من “الاقتصادات المانحة” تتطابق مع اتجاه النمو لبلد ما بأعلى دقة ممكنة قبل وصول

الشعبوي إلى السلطة.

الرسم 3 التكالیف الاقتصادیة للشعبویة: فجوات النمو

اللوحة أ: المتوسطات غیر المشروطة

 

اللّوحة ب:

 

نتائج ھذا التمرین. الخط الأزرق ھو متوسّط الاختلاف (أو الفجوة) في دینامیكیات الناتج المحلي

الإجمالي بین المجموعة المعالجة (الشعبویة) والمجموعة المسیطرة الاصطناعیة (غیر الشعبویة)،

باستخدام أفق زمني مدّته 15 عامًا قبل وبعد الوصول إلى السلطة.

الفرق التراكمي في الاقتصاد الشبیه كبیر. حیث یتجاوز عشر نقاط مئویّة.

بعد 15 عامًا یبدأ مسار الناتج المحلي الإجمالي في التباعد بشكل واضح بعد وقت قصیر من دخول الشعبویین الحكومة، ولا یتعافى الاقتصاد.

الشعبویة معطلة سیاسیاً

الشعبویة مكلفة أیضًا بالنسبة للمؤسسات الدیمقراطیّة، لتقدیم مثال واحد، نقوم بدراسة تطوّر القیود التنفیذیة.

تُظھر اللوحة أ من الرسم 4 نتائج SCM) على غرار اللوحة ب من الرسم 3 حول الناتج المحلي الإجمالي) باستخدام مؤشر للقیود القضائیة على السلطة التنفیذیة من مجموعة متنوعة من الدیمقراطیة (Dem-V .)

تشیر القیم العلیا إلى درجة أعلى من استقلال القضاء والنزاھة الدستوریة والامتثال لقرارات المحاكم.

كما یمكن أن نلاحظ، فإن الضوابط والتوازنات التي تُقَاسُ بقیود السلطةالتنفیذیة تتراجع بشكلٍ ملحوظٍ بعد وصول الشعبویین إلى السلطة، لا سیما عند مقارنتھا بالواقع غیر الشعبوي المضاد.

ھذه النتائج قویة لقطع العینة عبر حالات الیمین والیسار. وجدنا نتائج مماثلة لمتغیرات مؤسسیة أخرى مثل الحریات الانتخابیة والصحافة.

الرسم 4 العواقب السیاسیة للشعبویة: الاضمحلال المؤسسي و “المخارج الفوضویة”

أ: تراجع القیود القضائیة (SCM)

 

كمثال ثانٍ، تقدّم اللّوحة ب من الرّسم 4 نظرة عامّة على الظّروف التي ترك فیھا الشعبویّون مناصبھم

باستخدام 41 حكومة شعبویة أكثر حداثة في عیّنتنا (منذ عام 1970 ،أي في بیئة اقتصاد سیاسي حدیثة).

یظھر أنّ الشعبویین نادرا ما یتركون مناصبھم دون اشكالیّات، متجاھلین الإجراءاتالدیمقراطیّة.

ھناك تسع حالات فقط ترك فیھا الشعبویون مناصبھم بشكل منتظم.

كانت الغالبیة العظمى من حالات الخروج (32 حالة) غیر منتظمة.

ممّا یعني أنّ القادة الشعبویین رفضوا ترك مناصبھم على الرغم من خسارتھم في الانتخابات أو الوصول إلى الحد الأقصى للولایة (ثماني حالات)، أو توفوا في مناصبھم (ثلاث حالات)، أو استقالوا (13 حالة) أو أجبروا على الاستقالة بسبب انقلاب أو عزل أوتصویت بحجب الثّقة (ثماني حالات).

قد یفسّر تآكل المعاییر الدیمقراطیة كلاّ من استمرار الشعبویة والنتائج الاقتصادیة السلبیة لھا (على سبیل

سبةّبالن). Treisman 2019 و Guriev و 2019 و 2013 و Acemoglu et al.2005 المثال

للأخیرة – التّأثیر على النمو – وجدنا أیضًا دلیلاً مؤكدًا لقناتین أخریین تشكّلان مجالات أساسیّة لسیاسة

الحكومة، وتلعبان أیضًا دورًا بارزًا في الأدبیّات الشعبویّة: القومیّة الاقتصادیة والتفكك، لا سیما عبر

سیاسات التّجارة الحمائیّة (على سبیل المثال)، ودراسات Sachs الكلاسیكیّة (1989) و1991 (Edwards and Dornbusch) حول سیاسات الاقتصاد الكلي غیر المستدامة، مما أدى إلى تصاعد الدین العام والتضخم.

خلاصة

عندما یصل الشعبویون إلى السلطة، یمكنھم إحداث أضرار اقتصادیة وسیاسیة دائمة.

تشھد البلدان التي یحكمھا الشعبویون انخفاضًا كبیرًا في الناتج المحلي الإجمالي الحقیقي للفرد. تبرز السیاسات التجاریةالحمائیة ودینامیكیّات الدیون غیر المستدامة وتآكل المؤسّسات الدیمقراطیة كقواسم مشتركة بین الشعبویین في السلطة.

بالنظر إلى المستقبل، فإنّ الخطر الرئیسي ھو الطبیعة التسلسلیة للشعبویة.

تشیر البیانات التاریخیّة التي

جمعناھا إلى أنّ الشعبویة ھي ظاھرة مستمرة. حیث تشھد دول مثل الأرجنتین أو الإكوادور قیادة شعبویة

متقطعة منذ عام 1916 .

السؤال الملح ھو ما إذا كانت الدول المتقدمة ستشترك في مصیر مماثل من الآن فصاعدًا…بالعودة إلى التاریخ، ھذا أمر غیر مستبعد.